سيد محمد طنطاوي
232
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الصفة ، والكلام على حذف مضاف ، أي : وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة لهم . وجملة : ما كتبناها عليهم ، مستأنفة مبينة لجملة * ( ابْتَدَعُوها ) * . والاستثناء في قوله : * ( إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّه ) * منقطع . والضمير في قوله : * ( فَما رَعَوْها ) * يعود لهؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية . والمعنى : ثم أتبعنا كل رسول من ذرية نوح وإبراهيم برسول آخر ، حتى انتهينا إلى عيسى - عليه السلام - فأرسلناه إلى بني إسرائيل وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه وآمنوا به * ( رَأْفَةً ) * أي لينا وخفض جناح * ( ورَحْمَةً ) * أي : شفقة وعطفا ، وحب رهبانية مبتدعة منهم ، أي : هم الذين ابتدعوها واخترعوها واختاروها لأنفسهم ، زهدا في متاع الحياة الدنيا . ونحن ما كتبنا عليهم هذه الرهبانية ، وإنما هم الذين ابتدعوها من أجل أن يرضى اللَّه عنهم * ( فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ) * أي : ولكنهم بمرور الأيام ، لم يحافظ كثير منهم على ما تقتضيه هذه الرهبانية من زهد وتقى وعفاف . . بل صارت طقوسا خالية من العبادة الصحيحة ، ولم يصبر على تكاليفها إلا عدد قليل منهم . ولذا ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ، وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) * . أي : أما الذين استمروا على اتباعهم لعيسى - عليه السلام - وعلى الإيمان بالحق إيمانا صحيحا خاليا مما يفسده . . فقد أعطيناهم أجورهم الطيبة كاملة غير منقوصة . وأما الذين بدلوا ما جاء به عيسى - عليه السلام - حيث كفروا به وقالوا : اللَّه ثالث ثلاثة ، أو قالوا : المسيح ابن اللَّه فسيلقون ما يستحقونه من عقاب . وقوله : * ( وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) * يدل على أن الذين خرجوا عن الدين الحق الذي جاء به عيسى - عليه السلام - وفسقوا عن أمر ربهم . . أكثر من الذين آمنوا به إيمانا صحيحا . قال الإمام ابن جرير : واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها . فقال بعضهم : هم الذين ابتدعوها ، ولم يقوموا بها ، ولكنهم بدلوا وخالفوا دين اللَّه الذي بعث به عيسى ، فتنصروا وتهودوا . وقال آخرون : بل هم قوم جاؤوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حتى رعايتها ، لأنهم كانوا كفارا . . فهم الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها . وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال : إن الذين وصفهم اللَّه بأنهم لم يرعوا الرهبانية حق